الغزالي

135

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وفيهم الحسن رضي اللّه عنه . فقال الحسن : يا أبا فراس ! ماذا أعددت لهذا اليوم ؟ فقال : شهادة أن لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه منذ ستين سنة . فلمّا دفنت ، قام الفرزدق على قبرها فقال : أخاف وراء القبر إن لم تعافني * أشدّ من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد * عنيف « 1 » وسوّاق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى * إلى النار مغلول « 2 » القلادة أزرقا وقد أنشدوا في أهل القبور : قف بالقبور وقل على ساحاتها * من منكم المغمور في ظلماتها ومن المكرّم منكم في قعرها * وقد ذاق برد الأمن من روعاتها « 3 » أما السكون لذي العيون فواحد * لا يستبين الفضل في درجاتها لو جاوبوك لأخبروك بألسن * تصف الحقائق بعد من حالاتها أما المطيع فنازل في روضة * يفضي إلى ما شاء من دوحاتها والمجرم الطاغي بها متقلّب * في حفرة يأوي إلى حيّاتها وعقارب تسعى إليه فروحه * في شدّة التعذيب من لدغاتها وقال مالك بن دينار : مررت بالمقبرة فأنشأت أقول : أتيت القبور فناديتها * فأين المعظّم والمحتقر وأين المذلّ بسلطانه * وأين المزكّى إذا ما افتخر قال : فنوديت من بينها أسمع صوتا ولا أرى شخصا ، وهو يقول : تفانوا جميعا فما مخبر * وماتوا جميعا ومات الخبر تروح وتغدو بنات الثّرى « 4 » * فتمحو محاسن تلك الصور

--> ( 1 ) عنيف : عنف به وعليه : أخذه بشدة وقسوة . ( 2 ) مغلول : أي مقيد من يده إلى عنقه . ( 3 ) روعاتها : جمالها وحسنها . ( 4 ) الثّري : الأرض وهنا دودة القبر .